الخطاب العجائبي في قصة الحصن القديم

مؤيد الشرعة- إنّ المتأمل في أحداث قصة الحصن القديم والقارئ لها يجد أن الكاتب يستعرض النسق المجتمعي المصري، وعلاقة المجتمع مع الفرد، فهي علاقة تقوم على الرقابة، ومتابعة تغير أحوال أفرادها، هذا بالإضافة إلى شيوع فكرة الكرامات، والاستنجاد بالمشايخ والأولياء، وذلك يظهر عندما استرجع الكاتب الأحداث عند لحظة قدوم خبر طلب الشاب للتجنيد، إذ ذهبت والدة هذا الأخير إلى شيخ الحارة تطلب نجدته، التي يقابلها الشيخ باعتذاره عن المساعدة، ونصحها بالذهاب لرجل خبير في صناعة العاهات حتى يستثنيه قرار التجنيد. 

العجائبية في المجتمعات العربية 

إنّ توظيف القاص لهذه الأفكار حول الاستنجاد بالشيوخ، والميل لاصطناع العاهات في الجسد هربًا من التجنيد الإجباري، يعكس لنا واقع المجتمع المصري المغرق في الجهل، فالأم تمثّل الشخصية المؤمنة بقدرة الشيوخ، وتأثير أصحاب الدين على تغيير القرارات، في حين أنّ شيخ الحارة لا يمت للدين بصلة، وهو بعيد عن تعاليمه إن لم يكن منتحلا لصفة (المشيخة) الدينية، وهو يمثل الشخصية المدعية لمعرفتها العلم الديني، وذلك بدليل نصح أم الشاب بالذهاب لصانع عاهات في الجسد، مع أنّ الدين حرّم إيذاء النفس، أو تعطيل عضوٍ قصدًا لأيّ غاية كانت. 

وهذا الأمر يدلنا على أنّ الكاتب يستعمل المستوى الإنشائي في نظرية الانعكاس في تعبيره عن واقع المجتمع وأحواله، فهو يحاول عكس حياة فئة أو مجتمع بعيدًا عن فكرة تبيين الصراع بين الطبقات المختلفة2. 

البطل في قصة الحصن القديم 

يعرض لنا القاص رفض شخصية البطل اصطناع مثل هذه العاهة، وتفضيله الخدمة العسكرية لخمس سنوات على تعطيل عضو في جسده، فهو يمثل الشخصية التي تحكم العقل، وتميز بين الأمور، وتحاول اختيار الأقل ضررًا. 

ومن ثمّ يسرد لنا القاص احتفال أهل الحارة بذهاب الشاب إلى التجنيد، ومشاركة الجميع من رجال ونساء وأطفال، وقد عكس لنا القاص في سرده لمظاهر الاحتفال النسق الاجتماعي لتلك الحارة، إذ إنّ الرجال مفصولون عن النساء، فهم يحتلون الشوارع، في حين أن النساء انزوين بين الجامع والحمام العام، وهذا الأمر يعكس لنا تمسك أهل الحي بالتقاليد التي تمنع الاختلاط، بالإضافة إلى مشاركة الجميع فرح ابن حيهم وتوديعه. 

حضور الخطاب العجائبي في قصة الحصن القديم 

يسلط القاص عدسة السرد مشهد فيه يحاور الشاب المجند أمه ويشكي لها من تعب التدريب والجندية، لترد عليه أمه بحال القرية التي تعاني من العفريت في الحصن القديم، وتخبره أنهم كانوا مكتفين من عفريت الأنس، وعلى هذا الأساس نجد أن هذا الشاب يندفع في الكلام أمام أهل حارته، لضرورة مكافحة هؤلاء العفريت وحاجتهم إلى بطل ينقذهم، لينسِّب نفسه لقتالهم. 

إن الملاحظ للسرد القصصي، يجد فيه تعبيرًا واضحًا عن النسق الاجتماعي البدائي السائد لدى أهل هذا الحي، وفي عقلية الشاب المجند، فهو قد تأثر بالجندية وما فيها من صفات الإقدام والشجاعة والفروسية، وقد دلنا على ذلك قول أحدهم: "إننا في حاجة إلى بطل"، ليقدم الشاب المجند نفسه للقيام بهذه المغامرة؛ لنيل البطولة، فهذا الأمر يدلنا على شيوع الخرافة وتفشيها في مجتمع الحارة، وإيمانهم بالبيوت المسكونة والعفاريت التي تهاجم كل من يدخلها، هذا بالإضافة إلى ترسخ قيم الفروسية القائمة على فكرة البطل المنقذ لشعبه، وفكرة محاولة إظهار البطولة وإثبات الشجاعة. 

 يقص القاص مشهد تجمع أهل الحي ليلاً لمشاهدة العملية

امتداد ظاهرة الفتوة في المجتمع العربي 

 يقص القاص مشهد تجمع أهل الحي ليلاً لمشاهدة العملية التي سيقوم بها الشاب مشجعين له، ماعدا والدته التي كانت تمثل الشخصية المعارضة خوفًا منها على ولدها، هذا بالإضافة إلى ذكر القاص أن أحد الأشخاص الذي كان في الفتوة قام بإهداء عصا للشاب المجند، وهذا يدلنا على امتداد فكرة الفتوة من العصر الأيوبي إلى عصرهم، فهم مازالوا محافظين على هذا النظام القديم، ويكنون له الاحترام، بل ما زال بينهم أشخاص مارسوا عمل الفتوة. 

التمازج الديني مع الفكر العجائبي 

ثم يذكر القاص حال أهل الحارة لحظة دخول الشاب إلى الحصن القديم، إذ بدأوا بصوت واحد يقرؤون البسملة، والمعوذة، وهذا يعكس ثقافة المجتمع التي تلجأ للسياق الديني في محاولة طردهم لشعور الخوف. 

ومن ثمّ يقص السارد مشهد خروج أصوات عنيفة من داخل الحصن القديم، وهي أصوات قتال وشجار، في حين أن أهل الحارة بدا عليهم الخوف، وقرروا أنهم سيرحلون إذا خسر الشاب معركته، لكنهم يفاجؤون لحظة خروج الشاب منتصرًا، ليرددوا لفظ الجلالة تعبيرًا عن فرحهم وذهولهم، إذ خرج الشاب في مشية عسكرية ويتبع طابور من الأشباح المصطفة يسيرون مسيرة عسكرية.

استقرار الخرافة في المجتمعات القروية العربية 

إنّ نهاية هذه القصة غير المتوقعة، وإعلان الكاتب أنّ الشاب قد أخرج الأشباح وقد أرغمهم على المسير وراءه في عرض عسكري، يدل على محاولة عرضه الخطاب الشائع في بيئة مجتمعه المصدقة للخرافة والأساطير، فالأديب يستمد مادته من مجتمعه وبيئته، فيتأثر ويؤثر بها، وهذا لا يعني أنه يمثل مرآة تعكس مجتمعه، بل إنّه يعكس في أدبه رؤيته وفهمه له3، كما نرى في هذه القصة التي عكس لنا فيها القاص عن النسق الاجتماعي السائد في مجتمعه المصري، وطريقة تعاملهم مع أوامر الدولة في محاولة اصطناع العاهات وتجنب الخدمة العسكرية، ولجوئهم للمشايخ في حل مشكلاتهم، بالإضافة إلى تقمص المنتحلين لدور علماء الدين، وشيوع فكرة الجن والعفاريت والبيوت المسكونة في نسقهم الاجتماعي. 

بطاقات أمنية الالكترونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.