التصوّف: المصطلح والنشأة

مؤيد الشرعة / جامعة آل البيت- يعد التصوّف من أبرز الطرق والمذاهب في الدين الإسلامي، وهو متأصّل وقديم النشأة ومتفرّعٌ إلى فرق مختلفة، ولا خلاف في أنّ له اتباع ومريدين كُثُر، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، ويثير السامعين لمصطلح التصوّف هو أصل التسمية، فمن أين جاءت، ومن الذي أطلقها؟

آراء في نسبة التسمية

رجّح بعض الدارسين للتصوّف أن لهذه التسمية أكثر من تفسير، فمنهم من أرجح أنها تنسب لبنى صوفة، وهم قوم قاموا بخدمة الحرم المكي قبل الإسلام، ونذروا لذلك حياتهم.

أما القول الآخر، فقد أشار إلى أن الصوفية جاءت من لبس الصوف، فقد كان في المسجد النبوي جماعة من فقراء المسلمين، عرفوا باسم أهل الصُفّة، دأبت على المكث بالمسجد، ودوام التعبّد والطاعة والعيش على هامش الحياة، واعتادوا الصوف لباسًا لهم؛ لرخص ثمنه، ولكنه يعبّر عن الزهد والتقشّف في الحياة.

وهناك من قال إن التصوّف من الصّفا، أي النقاء، ومنهم رأى أن التسمية جاءت من الصف الأول في الصلاة، لكن في النهاية نجد أن التسمية جاءت من لبس الصوف، وهذا القول هو الأرجح، لأن الصوف أخشن ما يلبس، وهو رخيص الثمن مقارنة بغيره، وهذا الأمر يتناسب مع فحوى هذا المذهب وجوهره.

الصوفية
التصوّف جوانبه وأبعاده 

لعل التصوّف يمثّل مفهومًا واسعًا، ويتفرّع إلى جانب سلوكي، وجانب روحي، فالسلوكي يتمثّل بالعبادة الخالصة لله تعالى، وهو ينطلق من الحديث الشريف الذي يشير عن رتبة الإحسان، والتي هي أعلى الرتب في العبادة، وقبلها الإيمان ثم الإسلام، فالصوفيّة تتكون في الدرجة العليا من العبادة، والمتمثّلة بأن تعبد الله كأنّك تراه، فأن لم تراه فهو يراك، وهذا لا شك يشير إلى تعمّق المؤيد والعابد في العبادة.

الجانب السلوكي 

تركز الصّوفيّة في جانبها السلوكي على الأخلاق، حتى قالوا بأن المذهب كله أخلاق فإن زاد أحدهم على الآخر بالخلق زاد عليه بالتصوّف، ولا بد في الصوفي أن يمر في ثلاث مراحل مهمّة، وهي التخلّي، والتحلّي، والتجلّي.

فالتخلّي يتمثّل بالانصراف عن كل ما هو سيء من أخلاق، وممارسات وأعمال، بمعنى أن يتوب العبد عن المعاصي ويندم عليها فلا يكفي الإقلاع بلا ندم، وبعد ذلك يبدأ المُريد باكتساب الأخلاق، وهو ما يعرف بالتحلّي، وبهذه المرحلة تتهذّب أخلاق المُريد ويصقل لسانه وعاداته، ومن ثم يبدأ بمرحلة التجلّي، وهي أصعب المراحل وتتجلّى بأن تصبح كل ممارسات الصوفي وأعماله وأفعاله لوجه الله، ويبدأ بتلقي العلم الإلهي من كرامات ومعارف قد يصل إليها الصوفي في حياته.

الصوفية
الجانب الروحي في التصوّف

يتمثّل الجانب الروحي بجانب الحب الإلهي، فيبدأ الصوفي بعبادة الله لا خوفًا ولا طمعًا، وإنما حبًّا به وعشقًا، فيتأمل مخلوقات الله، ويبحث في أدق تفاصيل إبداعه، ويبدأ بالشوق للقاء الله تعالى، ويسعى إلى الإكثار من العبادة والجُهد لإرضاء الله، وقد يصل الأمر ببعضهم في محاولته أن يعبّر عن حبّه لله بأن يشطّ في كلامه، ويقول كلامًا يظن به أنه كفر مطلق، ومن ذلك ما قاله الحلاج:

عجبت منك ومني يا منية المتمني
أشغفتني فيك حتى ظننت أنك أنّي 

ولعل القارئ لهذه الأبيات يظنّ بأن صاحبها أعلن اتحاده مع ذات الله، لكن هذا ليس ما قصد، وإنما هي محاولات تعبيرية مجازية يحاول فيها الشاعر أن يعبّر عن حبّه ومدى عشقه للذات الإلهية.

إنّ التصوّف كفكر لا يُختزل بعبارة أو جملة، ولا يمكن لمسمّى (التصوّف) أنّ يعبر عن كل ما يحتويه هذا الفكر من آراء ومعتقدات وطرق، فالموضوع شائكة أبعاده، حتى أصل التسمية فيه لا زال الجدل حولها قائمًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *