ذكاء اصطناعي أم صناعيّ؟

حسام خطّاب - أيّهما أصح، أن نقول "ذكاء اصطناعي" أو "ذكاء صناعيّ"؟ للإجابة على هذا السؤال، يوجد جانبان لا بد من توضيحهما. أولاهما الجانب التاريخي لتطوّر هذه التقنية، وثانيهما الجانب الّلغوي.

نظرة تاريخيّة

يبلغ عمر الذّكاء الاصطناعي أكثر من 70 عاماً، وأوّل من استخدمه كان جون مكارثي في خمسينيات القرن الماضي، وكانت تعتمد في جوهرها على عدّة خطوات مبرمجة مسبقاً تنفّذها الآلة، أي أنّ الآلة لم تكن فعلاً تمتلك الذّكاء، وإنّما تقلّده أو تتظاهر به. تمّثلت المحددات حينذاك في أربعة أمور أساسيّة، وهي: ضعف قدرات المعالجة، وضعف قدرات التّخزين، وعدم وجود كمّيات ضخمة للبيانات، وأخيراً محدودية سرعة تناقل البيانات.

ومع التطوّر التكنولوجي، اختفت جميع المحدّدات السّابقة كما زادت قدرات المعالجة كثيراً، والقدرات التّخزينية تضاعفت مرّات ومرّات، وسرعة تناقل البيانات تضخّمت. ومع ظهور الشّركات التّقنية الحديثة، برز وتطوّر مفهوم البيانات الضّخمة Big Data، ناهيك عن استحداث مجالات تعلّم الآلة Machine Learning والتعلّم العميق Deep Learning.

نتج عن كلّ هذا أنّ الآلة لم تعد تعتمد حصراً على قوانين مكتوبة، وصار بإمكانها التعلّم والتّحليل والتّعاون فيما بينها والاستنتاج والتنبّؤ بسلسلة من السّيناريوهات والأحداث، بل ومبارزة الإنسان في ألعاب ذهنية والانتصار عليه. أصبحت الآلة تمتلك نوعاً من الذّكاء - إن أمكننا القول - وتحوّل من كونه ملقّناً كلّياً إلى مزيج من التّعليم التّلقائي والتّحليل والاستنتاج والتنبّؤ.

ذكاء اصطناعي أم صناعيّ؟

نظرة لغويّة

لغويّاً، عندما نقول اصطنع الوثيقة أي قلّدها وزوّرها، والأمر المصطنع هو الأمر المتظاهر بما ليس فيه. وكذلك قول (اصطنع آلة) أي أمر أن تصنع له. أما كلمة صنع أيّ فعله وعمله. عندما نقول صنع الشيء أي عمله، ومن معانيها تحويل مادّة أوّلية إلى شيء صالح للاستعمال.

فيما يتعلّق بالذّكاء الاصطناعي فإنّها تتضمّن نفياً لصفة الذّكاء عن الآلة في المقام الأوّل، ووسمها بتظاهر الذّكاء. أمّا الذّكاء الصناعي هو الذّكاء المحوّل من صيغة إلى أخرى، وعملّية استخراج الموادّ الأوّلية وتحويلها إلى موادّ قابلة للاستعمال. من هنا، فإنّ الذّكاء صفة موجودة، وليست ظاهرية.

ومع تطوّر علم ذكاء الآلة، فإنّ الترجمة الأدقّ لمصطلح Artificial intelligence قد تكون الذّكاء الصّناعي، لأنّ الآلة أضحت قادرة على التّحليل والتعلّم التّلقائي والتّخاطب والاستنتاج، وصارت تمتلك نوعاً من أنواع الذّكاء. أمّا ترجمة الذّكاء الاصطناعي قد يمكن القول إنّها لم تعدّ منطبقة على التطوّر الحاصل من حولنا. ففيها نفي ضمنيّ لصفة الذّكاء عن الآلة، وهو ما قد يكون غير دقيق بالمجمل، وغير متناسب مع الثّورة التّقنية الهائلة التّي نعاصرها.

ذكاء اصطناعي أم صناعيّ؟

وفي الّلغة العربية سعة لتطوّر المصطلحات وعمق في ترجمة المعاني، وما كان صالحاً قبل عقود ليس بالضّرورة أن يكون صالحاً اليوم. بناء على ما سبق، أجدني أميل إلى ترجمة الذّكاء الصّناعي على حساب الذّكاء الاصطناعي، وإن كانت الثّانية هي الأكثر انتشاراً في عالمنا العربيّ والأكثر اعترافاً. لكن لعلّ هذه السّطور تفتح مجالاً للتّفكير في المصطلحين، والتدبّر في أيّهما أنسب للاستخدام وفق ما يحيط بنا دون جمود أو ركون.

بطاقات أمنية الالكترونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.