لماذا توقفت منصات التواصل الاجتماعي عن العمل؟

لا زال تعطّل منصة التواصل الاجتماعي الأكبر (فايسبوك) والخدمات المرتبطة بها عن العمل، يشغل حيّزاً كبيراً من اهتمامات المحللين والمراقبين على حد سواء.

فالعطل الذي حَرم أكثر من 3 مليارات شخص حول العالم من خدمات فايسبوك، ولمدة 6 ساعات، لم تكن لتمحى آثاره بعد أسابيع أو أشهر من وقوعه.

في هذا المقال، سنتطرق إلى الأسباب التي تم تداولها لتوقف منصات التواصل الاجتماعي، والخسائر التي تسبب بها هذا التوقف، كما سيتم تسليط الضوء على ما تم تداوله عن نشر الفايسبوك للكراهية، وحقيقة نجاحه على الخوارزميات.

جذور مواقع التواصل الاجتماعي

يُرجع البعض تاريخ ظهور مواقع التواصل الاجتماعي القائمة على نظام الـ (WEB) إلى أواخر تسعينات القرن الماضي، وتحديداً إلى عام 1997، عندما ظهر أول موقع تواصل اجتماعي مشابه لطبيعة مواقع التواصل المستخدمة حالياً وهو موقع (SixDegrees)، والذي كان يسمح لمستخدميه بإنشاء ملفات شخصية، وإضافة أصدقاء وقوائم اتصالات، فضلا عن إرسال رسائل إلى مستخدمين آخرين.

بيد أن العقد الأول من القرن الحادي والعشرين يعتبر العصر الذهبي لمواقع التواصل الاجتماعي، فبعد موقع (SixDegrees)، ظهر في عام 2003 موقع فريندستر،  (Friendster) الذي كان يتيح لمستخدميه إمكانية مشاركة المحتوى والصور ومقاطع الفيديو، وهو العام الذي ظهر فيه موقع ماي سبيس (Myspace)الذي وفَّر مزايا عديدة لمستخدميه، أهمها إمكانية لعب الألعاب الالكترونية معاً.

وفي عام 2004، ظهر موقع الفايسبوك، كمنصة تواصل اجتماعي خاصة بطلبة جامعة هارفارد، قبل أن يتم فتح هذه المنصة لجميع المستخدمين لاحقاً عام 2006، وفي عام 2005، تمّ إطلاق موقع اليوتيوب (Youtube) بمقطع الفيديو الأول الذي وُجد عليه وهو فيديو (Me at the Zoo)، ثم بعدها موقع تويتر (Twitter)، كمنصة للتدوين في عام 2007، فإنستغرام (Instagram) في عام 2010.

إثر ذلك ظهرت مواقع التواصل الاجتماعي وتطوّرت، في سباق مثير يتيح كل منها خاصية جديدة لمستخدميه، وبمزايا فريدة عن المنصات الأخرى.

فايسبوك.. أكبر منصة تواصل اجتماعي

فايسبوك.. أكبر منصة تواصل اجتماعي

انطلق موقع فايسبوك إلى الوجود في 4 شباط (فبراير) من عام 2004، من خلال مارك زوكربيرجمع زميله في جامعة هارفاردالطالب إدواردو سافيرين، وكانت عضويته محصورة بطلاب الجامعة، حتى تم توسيعها في أيلول (سبتمبر) من عام 2006، لتشمل كليات أخرى في منطقة بوسطن الأمريكية، ثم معظم الجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، ثم أصبح الموقع متاحاً لكل شخص لديه عنوان بريد الكتروني ويبلغ من العمر 13 عاما فما فوق.

وفي عام 2014 استحوذت الشركة على تطبيق واتس آب (WhatsApp) بـ 19 مليار دولار، أي بعد عامين من الاستحواذ على موقع انستغرام بمبلغ مليار دولار.

وخلال الـ 17 عاما الماضية، نمت فايسبوك لتصبح الأكبر في العالم، بإيرادات بلغت 84.16 مليار دولار في عام 2020، و2.8 مليار مستخدم نشط شهرياً، يخدمهم حوالي 45 ألف موظف.

وفي كل دقيقة، يشترك 400 مستخدم جديد في فايسبوك، ويولّد مستخدمو المنصة 4 ملايين إعجاب في كل دقيقة، كما تتوفر على المنصة أكثر من 80 مليون صفحة عمل.

فايسبوك يتعطّل

فايسبوك يتعطّل

في 5 تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2021، انقطعت خدمات الفايسبوك عن أكثر من 3 مليارات مستخدم حول العالم.

وأوضحت الشركةفي بيان أن تعديلات خاطئة في الإعدادات كانت السبب الرئيسي وراء العطل الذي تسبب في حرمان 3.5 مليار مستخدم لنحو 6 ساعات من دخول مواقع فايسبوك وانستغرام وواتس آب، حيث اكتشفت فرقها الهندسية أن تعديلات على أجهزة التوجيه "الراوتر"الرئيسية التي تنسّق الحركة بين مراكز البيانات تسببت في مشاكل أدت إلى توقف الاتصال.

بيد أن انقطاع الـخامس من تشرين الأول 2021، لم يكن الأطول بتاريخ الشركة، حيث أن الانقطاع الأطول حدث في 13 آذار(مارس) من عام 2019 واستمر قرابة12  ساعة.

وفي كلا الانقطاعين، لم تكن فايسبوك مقنعة في تبرير أسباب الانقطاع بحسب الخبراء، ما يرجح في المستقبل من إمكانية تكرارها، وصعوبة التعامل معها في ظل النمو المطّرد لمستخدمي خدمات فايسبوك.

خسائر بالمليارات

كلّف العطل المفاجئ في خدمات شركة فايسبوك (Facebook Inc)، التي تشمل إلى جانب فايسبوك، واتس آب وانستغرام، الشركة حوالي 164 ألف دولار خسائر في الدقيقة الواحدة أي ما يقارب من 60 مليون دولار إجمالاً.

وشهدت أسهم الشركة انخفاضاً قُدّر بأكثر من 40 مليار دولار من قيمتها السوقية، وكلّف ذلك المؤسس مارك زوكربيرغ خسائر شخصية بنحو 6 مليارات دولار، ما أدى إلى انخفاض ترتيبه من خامس أغنى شخص في قوائم مجلة فوربس إلى السادس.

كما خرجت فايسبوك من قائمة الشركات في نادي التريليون دولار، فالشركة التي انضمت في البداية إلى نادي 1 تريليون دولار إلى جانب Apple Inc ،Microsoft Corp ،Amazon.com، Alphabet Inc أصبح تقييمها بعد الانقطاع 919.79 مليار دولار.

الانقطاع ليس أول المشاكل أو آخرها

الانقطاع ليس أول المشاكل أو آخرها

وشكّل الانقطاع المدوي ثاني ضربة تواجهها فايسبوك خلال يومين، بعدما كانت واجهت اتهامات قبل الانقطاع بيومين، بتفضيل الربح أكثر على الهدف الأسمى لها كمنصة عالمية، وهو تضييق الخناق على خطاب الكراهية والمعلومات المضللة.

وقد نشرت تقارير صحفية وثائق من داخل معقل الشركة، تصف فايسبوك بأنها منصة لنشر المحتوى السلبي وأفكار الكراهية والغضب والعنف.

وتضمنت أن فايسبوك أعلنت سابقاً عن خطة إصلاحات تهدف لضمان أن تكون مكاناً "صحيّاً أكثر" ، ولكن الخوارزميات التي جرى اعتمادها أدّت إلى نتائج عكسية، ساعدت في انتشار "المحتوى الضار" والتلاسن والشقاق، بدلا من خلق مساحة للنقاش الإيجابي والفعّال.

ولم تشفع تصريحات مارك زوكربيرغ، التي قال فيها إن الهدف من تغيير الخوارزمية هو توطيد الروابط بين المستخدمين وتحسين رفاهيتهم، والتفاعل بشكل أكبر مع الأصدقاء والعائلة  في الدفاع عن فايسبوك، سيّما وأن الوثائق ذكرت أن تغيير الخوارزمية جاء بعد أن لاحظت الشركة انخفاضا في معدل التفاعل على المنصة، ما قد أثار القلق لدى فايسبوك، ما أدى لتغييرها لضمان تفاعل أكبر من المستخدمين.

لكن السؤال الآن: هل هناك علاقة بين خوارزميات خطاب الكراهية وانقطاع خدمات فايسبوك؟

لم يربط معظم المحللين بين الاتهامات الموجهة لفايسبوك بخصوص نشر خطاب الكراهية وانقطاع الخدمات، لا من قريب أو من بعيد.

فالخوارزميات تم تعديلها قبل قرابة العام من حدوث الانقطاع، بيد أن البعض أيّد هذا الرابط لتزامن جلسة استماع للكونغرس الأميركي لموظفة سابقة في فايسبوك، يوم 5 تشرين الأول (أكتوبر)، زعمت خلالها وجود تشجيع من قبل عملاق مواقع التواصل الاجتماعي لخطاب الكراهية، وسيطرة فكرة تحقيق الأرباح لدى فايسبوك على أي فكرة أخرى، وهو اليوم نفسه الذي حدث فيه الانقطاع.

بيد أن صحيفة "نيويورك بوست" نقلت عن بعض الخبراء قولهم: "ربما يكون هذا الانقطاع مفتعلاً كي يتم تنظيف الأوساخ التي في الشركة"، والمقصود بها الخوارزميات.

مستقبل إمبراطورية فايسبوك

مستقبل إمبراطورية فايسبوك

يبدو أن ضريبة كوْن فايسبوك أكبر منصة تواصل اجتماعي في العالم ستحكم عمل المنصة في المستقبل، فالمنافسة المحمومة بين مواقع التواصل الاجتماعي، والأضرار التي تتسبب بها خوارزميات فايسبوك ستقود مستقبل الاعتماد على المنصة.

وإلى جانب ذلك، فإن تسريبات الخوارزميات قد تصبح مادة محببة للمحامين وأنصار حقوق الإنسان والأقليات حول العالم، لتجعل من فايسبوك في مواجهات قضائية حول العالم قد لا تقوى على تحملها، أو تضر بنموها المتوقع.

وفي هذه الحالة، لا يبدو مستقبل إمبراطورية فايسبوك مبشّراً، سيّما وأن فقدان النزاهة أو الحياد في التعامل مع منشورات المستخدمين، قد تفتح آفاقاً لتسريبات أخرى، تتعدى النزاهة إلى سياسات الأمان والخصوصية، التي طالما أكدت فايسبوك على ضمانها لمستخدميها.

بطاقات أمنية الالكترونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.