الرواية الرقمية

مؤيد الشرعة/ جامعة آل البيت- تعد الرواية الرقمية أنموذجًا من نماذج تطور العملية الإبداعية الأدبية، حيث تتجلى في هذا الشكل الفني الجديد مظاهر التطور فيه بأنه يستفيد من ممكنات العصر التقنية، من صور ومقاطع صوتية ومرئية، فهذا الشكل الفني لا يتم إلا من خلال  الشبكة العنكبوتية.

تعريف الرواية الرقمية

وقد حدّد الناقد سعيد يقطين مفهوم هذا النسق الروائي الجديد، بأنه: أي رواية يتم إنتاجها وتلقيها بواسطة تقنيات الحاسوب الرقمية، أما الباحثة صيتة العذبة فقد عرفت الرواية الرقمية بأنها: التي تستخدم الروابط والوصلات في بيئة حاسوبية؛ لصنع نص سردي يعتمد على وسائط متنوعة، وتدخل في الأحرف بمختلفة الألوان والأشكال، ومختلف الوسائط المرئية والمسموعة، وأصوات وصور خرائط وفلاشات وغيرها.

ولعل هذين التعريفين يحيلاننا إلى أنّ الرواية الرقمية لها عناصر تميزها عن عناصر الرواية العادية، لكنها تتقاطع معها في العناصر السردية من زمان ومكان وأحداث وشخوص وحوار، فلا يمكن بناء أي نص روائي دون هذه العناصر.

الرواية الرقمية
مميّزات الرواية الرقمية

لكن ما يميز هذا النسق الروائي في عناصره، أنها تختلف من حيث أنها تكتب وتتلقى من خلال الحاسوب، فهذا أهم عنصر وهو المميز لها، وأيضًا تتضمن وسائط صوتية ومرئية، كالسمفونيات والفيديوهات التي تتقاطع مع محتوى النص، وتضفي على السرد الروائي طابعا خاصاً.

إضافة إلى أنها تحتوي في داخلها على روابط، كل رابط يحيل القارئ إلى أحداث جديدة، وبالتالي تتعدد مسارات السرد وزوايا القص، وهذا ما يجعلها تتميز عن الرواية الورقية المحولة إلى صيغة قراءة رقمية PDF))، فهذه الصيغة محولة عن ورق، ويمكن إعادتها إلى الورق، أما هذا النسق الروائي فأي عمل إن تم تحويله إلى ورق خرج من نطاق الرواية الرقمية.

والروابط والوصلات الرقمية متعددة الحضور في هذا النسق، وهي من سماته البارزة، فلو أن القارئ اختار أحد الروابط سينقه إلى أحداث روائية، لكنه لو عاد إلى الوراء واختار رابطًا آخر، سينتقل إلى أحداث جديدة مغايرة تختلف عن تلك الأولى، وقد يحال إلى مقطع فيديو يصور حدثًا ما، فيعبر عنه بشكل بصري وحركي، مما يجعل السرد أكثر إثارة وتشويقًا.

الرواية الرقمية
نشأة الرواية الرقمية

ولعل نشأة هذا النسق الأدبي جاء نتيجة تفاعل الأدب والأدباء مع معطيات العصر، فقد أصبحت الحوسبة جزءًا من حياتنا اليومية، وقد اتسعت مظاهر التعبير الإلكترونية لتتجاوز الكتابة العادية، فبإمكان الشخص أن يعبر عن مشاعره برمز تعبيري،أو صورة، أو حتى مقطع صوتي، دون استعمال اللغة، وأصبح الاهتمام بالحاسوب يماثل أو يفوق استعمال الورق، بالإضافة إلى ما يوفره من برامج ووسائل رقمية تمكن المستخدم من الابتكار في صياغة وتشكيل المادة الأدبية.

ولعل الروائي الأردني محمد سناجلة من أول رواد هذا الشكل الفني، وذلك في روايته (ظلال الواحد)، التي كانت على الشبكة العنكبوتية، ومن ثم تحولت إلى رواية عادية بطبعه لها، لكنه استمر في نشر روايات رقمية وصل عددها إلى أربع روايات، وهي تعد أفضل من (ظلال الواحد) من الناحية التقنية، على حد تعبير مؤلفها لأنها أفادت من مستجدات العصر.

ولو تناولنا روايته الثانية الموسومة بـ (شات)، لوجدا أنها مدعمة بوسائط صوتية ومرئية وبصرية، فعندما نلج موقع الرواية على الشابكة، تبدأ إحدى المعزوفات بالعزف بشكل تلقائي، عندما يظهر لنا عنوان الرواية على خلفية فيها أرقام مكتوبة عموديًا، تدل على أن هذه الرواية مصنوعة في عالم رقمي، فلغة الأرقام هي لغة الآلة.

الرواية الرقمية
آراء النقاد في الرواية الرقمية

ولعل أبرز النقاد الذين تناولوا الرواية الرقمية سعيد يقطين، فقد دعا إلى ضرورة مواكبة التطور في الآداب، والمشاركة في هذا التطور؛ لآن عدم المشاركة سيجعل من تقبلنا لكل جديد أمرًا صعبًا، ويعقد آلية فهمنا له مستقبلا، ويوسع الفجوة بين ما هو كائن، وبين ما ينبغي أن يكون، أما الناقد المصري محمود الضبع، فقد أكد على أن الإبداع لا يأتي من فراغ، وأنّ تأثير هذه الوسائط الرقمية على الأدب، ما هو إلا شكل من أشكال التطور.

وهذان القولان نستشفّ منهما إلى أن هنالك ضرورة لمواكبة العصر، وعدم محاربة مثل هذا النوع الأدبي الجديد، فمثلما كان التطور من المشافهة إلى الكتابة الورقية أمرًا عاديًا، فإن التطور إلى الحالة الرقمية يعد طبيعيًا، فهذا الشكل الروائي لا يعد هدمًا للرواية التقليدية، وإنما سمة تجديدية.

وجدير بالذكر أن أمزجة القراء والمتلقين تختلف من شخص لآخر، فقد يكون هذا الشكل الروائي الجديد محببًا عند بعض القراء، ويستهويهم ويدفعهم إلى تناول هذه الأعمال الأدبية، لا سيما المتعلقين بالتكنولوجيا، فلا بد من إدراك حقيقة هيمنة التكنولوجيا في حياتنا.

وفيما يخص أهمية هذا الشكل الروائي، فهو يتجلى بأنها شكل من أشكال تطور في سياق الرواية العربية والعالمية، وأن الانطواء وعدم التجدد والاكتفاء بالتقليدي من الموضوعات والأساليب، أمر لا يقدم للعملية الإبداعية شيء، لكن لا بد من الحذر في تعاملنا معها، وضرورة رصد فجواتها وردمها حتى يستمر ويتطور.

ولا يقف التجديد على الموضوعات أو تقنيات السرد، فاختراع موضوع جديد للتناول الروائي يعد تجديدًا، وابتكار تقنيات سردية جديدة أيضًا يعد تجديدًا، لكن التجديد في أسلوب التقديم والطرح، هو إضافة حقيقية على البناء الفني، حيث إنّ إضافة الوسائط الرقمية، يعزز عنصر التشويق، الذي يعد من ركائز العملية الأدبية، فالصورة البصرية تختزل معان ودلالات، وهذا نراه واضحًا على أغلفة الروايات التقليدية لو أردنا القياس عليها.

الرواية الرقمية
سلبيات الرواية الرقمية

لكن لا بد من الإشارة إلى أنّ أي عمل فني لا يخلو من السلبيات، فسلبيات هذا العمل أنه يحيد استعمال اللغة على نحو ما، فتصبح الصورة والرمز التعبيري، والصوت، وغيرها مكان الكلام، وهذا الأمر يضعف الملكة اللغوية، ويجعل الرسالة المراد إيصالها سهلة ومباشرة، فكان يستمع الشخص لموسيقى حزينة، يدرك أن المرسل أراد أن يعبر عن حالة حزن، وهذا الأمر يجعل من النص نصًا سطحيًا لا غموض فيه.

بالإضافة إلى ذلك إن استعمال الصور التعبيرية عوضًا عن الكلام شكل من أشكال التراجع اللغوي، فالتواصل بالشكل والصورة هي لغة بدائية خالية من إعمال العقل، ويقيد المتلقي للرسالة بهدف واحد لها.

ثم إن الرواية الرقمية تلزم وجود الحاسوب ليتم قراءتها، وهو غير ممكن في كل الأوقات، فالرواية الورقية لا تحتاج إلى وسائط وجهد كي تقرأ، وهذا ما يجعل فئات المتلقين لها أكثر من الرقمية، بالإضافة إلى أن هذه الروايات الرقمية إذا ما أزيلت عن الشابكة، فقد اختفت وضاعت على خلاف الرواية العادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.