قطة شرودنجر

بقلم عبد الفتاح أبو الحاج - خريج تخصص فيزياء تطبيقيه

تعتبر التجربة التخيلية المشهورة والمعروفة باسم قطة شرودنجر (Schrödinger's cat) أحد أكثر المفاهيم التي أسيء فهمها في ميكانيكا الكم (quantum mechanics)، وقد توصّل العلماء لأفكار مذهلة عن طبيعة الفيزياء نتيجة تعمّقهم بالتفكير بهذه التجربة.

من اخترع قطة شرودنجر؟

تقول مجلة Quanta في أحد المقالات أن هذه المعضلة خطرت أول مرة على بال إروين شرودنجر Erwin Schrödinger، الذي ساعد بتأسيس علم ميكانيكا الكم، عام 1935 ليشرح مسالة طرحها العالم اللامع ألبرت أينشتاين. أدرك معظم زملاء شرودينجر وأينشتاين، اللذان كانا يطوّران مفهومهما الجديد عن المملكة دون الذرية، أن الكينونات الكمومية تتصرف بغرابة شديدة. كان العالم الدنماركي نيلز بور Niels Bohr مناصراً الفهم بأن الجسيمات مثل الإلكترونات ليس لديها خصائص محدّدة حتى يتم قياسها. قبل القياس، تكون الجسيمات في حاله اسمها حاله التراكب superposition، في هذه الحالة، يكون احتمال توجه الجسيمات للأعلى هو نفسه احتمال توجهها للأسفل، ويساوي 50%. لم يرق هذا التفسير غير الحاسم أينشتاين، فقد أراد أن يعرف كيف يعرف الكون أن شخصاً ما يقيس شيئا. سلّط شرودنجر الضوء على تساؤل اينشتاين بالاستعانة بقطته الافتراضية سيئة السمعة.

الوضع الحالي لميكانيكا الكم

كتب شرودنجر ورقته العلمية عام 1935 تحت اسم "الوضع الحالي لميكانيكا الكم" The Current Situation in Quantum Mechanics. لنفرض أن شخصا يبني آلة غريبة، حيث يكون هناك صندوق يحتوي قارورة مغلقة فيها غاز السيانيد، فوقها مطرقة معلقة ومربوطة بعداد غايغر Geiger موجه نحو كتلة من اليورانيوم المشع. يحتوي الصندوق أيضاً على هرّة (تذكّر أن هذه التجربة هي تجربة فكرية تخيلية بحتة، ولم تنفذ في الواقع)، الصندوق مغلق، وضبطت التجربة لتعمل لقرابة الساعة.

لليورانيوم، الذي يراعي قوانين فيزياء الكم، فرصة بأن يصدر إشعاعاً يلتقطه عداد غايغر، والذي يدوره سيفلت المطرقة كاسرةً الزجاجة، وبذلك ينطلق الغاز ليسمم الهرة. حسب الجمهور الذي ينتمي بور إليهم، فإن الحالة تعتبر مقيسه عندما يُفتح الصندوق، أما قبل ذلك فتكون القطة في وضع التراكب، فهي حية وميتة في نفس الوقت. وهذا ما يرفضه أينشتاين وشرودنجر لأنه لا يتماشى مع خبرتنا في حياتنا اليومية - القطة حية أو ميتة، ولا يمكن أن تكون الحالتين مع بعضهما.

كيف تلتقي فيزياء الكم مع عالمنا الذي نعيشه؟

يقول صحفي العلوم آدم باكر Adam Becker في كتابه "ما هو حقيقي "What is Real": "تفتقد فيزياء الكم لمكوّن مهمّ، هو القصة التي تخبرنا كيف تلتقي فيزياء الكم مع عالمنا الذي نعيشه". ويضيف: "كيف لعدد من الذرّات الاستثنائية التي تحكمها فيزياء الكم أن تبدأ العالم الذي حولنا اليوم؟" هل قطة شرودنجر حقيقية؟ إن قطة شرودنجر هي لب تفسير بور عن الواقع: عدم وجود خط فاصل واضح بين عالم الكم والحياة التي نعيشها يومياً. رغم أن معظم الناس يعتقدون أن تجربة شرودنجر هي مثال توضيحي لكيفية أن الأجسام لا تملك خصائص محددة إلا عند قياسها، فان نية شرودنجر كانت العكس تماماً - بل إن هدف شرودنجر أن يثبت أن فكرة التراكب غير منطقية.

رغم كل ذلك، فقد أهمل الكثير من الفيزيائيين هذه المشكلة لعقود، وركزوا جهودهم على غيرها. لكن أثبت الباحثون، في بدايات سبعينات القرن الماضي، أنه يمكن خلق جسيماتٍ بحالات مترابطة، أي بمعنى أنه إن كان جسيم موجهاً للأعلى، فالجسيم الآخر سيكون موجهاً للأسفل -وهي ظاهرة أطلق عليها شرودنجر اسم "التشابك".

الحوسبة الكمية

عزّز هذا العمل حقل الحوسبة الكمية (Quantum Computing) المستجد، الذي يَعد بإنتاج حواسيب أسرع بكثير من تلك الموجودة حالياً. تمكّن العلماء عام 2010 من خلق نسخة حقيقية من قط شرودنجر، لكن دون استخدام قط حقيقي. بنا علماء جامعتي كاليفورنيا وسانتا باربارا مرناناً: (resonator) شوكة صغيرة رنانة، حجمها بحجم بكسل على شاشة الحاسوب. وضعت هذه الشوكة في حالة تراكب حيث كانت تهتز ولا تهتز في آن واحد، وقد أثبت ذلك أن الأجسام الكبيرة نسبياً يمكنها اتخاذ حالات كمية غريبة.

في آخر التجارب وضع ما يقارب ال 2000 ذرة في مكانين مختلفين في نفس الوقت، وهذا ما أدّى لزيادة ضبابية الخط الفاصل بين العالم المايكروي وعالم حياتنا اليومية. وحتى أنه عام 2019 تمكن علماء في جامعة جلاسكو من تصوير التشابك فوتوني باستخدام كاميرا خاصة تلتقط الصورة عندما يظهر فوتون مرتبط بفوتون شريك آخر.

رغم أن الفيزيائيين والفلاسفة لم يتفقوا على كيفية التفكير بالعالم الكمي، فإن افكار شرودنجر انتجت سبلاً بحثية مثمرة، وعلى الأرجح أنها ستستمر بفعل ذلك في المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.