ذاتُ الأوتادِ

مؤيد الشرعة / جامعة آل البيت - عمّان، سبعة جبال هي تعانق السماء بشموخها، كأيادٍ تمتد إلى السماء في عليائها، تقصد القمر تقبضه وتضمه إليها، هي أوتادٌ سبعة تثبت الأرض وتعطي ساكنيها ثباتًا وعنفوانًا امتزج بتاريخ مهيب، ثابت هو كثبات عمان التي لم تَمُد رواسيها.

هي فسيفساء اجتماع حضارات مختلفة، كل واحدةٍ منها تركت أثرًا لا يُجْلِيْه الزمن؛ لتستحيل عمّان عاصمةً لكل حضارة مرت عليها، فتلك الآثار الرومانية تأبى أن تزول كما زال أبناؤها، بل تقف في قلب عمّان كشيخ حفظ الدهر وخطوبه، تحكي لنا عن عظمة إمبراطورية امتدت على أركان الأرض الأربعة، وبسطت سيطرتها على كل مورد ماء ومسقط مطر، إلا أنها لم يكن لها غنى عن سبعة جبال تثبت قلبها.

عمّان

وذاك المسجد الحسيني على مقربة من آثار المدرج الروماني، قد علت مِئْذنته بصوت الأذان، وكأن لسان حاله يقول، ويحكي عن آمال الخلفاء الراشدين، ومن جاء بعدهم: أنا مكمل لحضارة ولت، أنا وريث قيصر الروم، وأباطرة اليونان، وحضارة الأنباط، أنا وريث بلاد الشام، وقلبها عمّان.

وفي عمّان يتجلى حلم إسلامي نراه ماثلا في الجسور العشرة، التي تقف شامخةً تحكي قصةً عثمانية، وحلم كل مسلم عاش فيها، ومعجزةً معمارية تحدت ظروف زمن عصيب، سكة حديد الحجاز، التي أبت إلا أن تمر بكل أرض مقدسة لكل الأديان، وتكون شريانًا يربط الناس على قلب واحد، هي جسور عشرة تربط بين حضارتين، تأبى أن تتهالك مع الزمن، بل تزيد إصرارًا على مواجهته لتخبر حكايةً لكل جيل قادم، عن تعلق كل أمة مهما بَعُدت بهذه الأرض.

ويجتمع في عمّان أرث الحضارات، وكذلك الأضداد تتفق ولا تختلف، حضارة تزيل أرث سابقتها، ودولة تمحي أثر دولة، وحديث يمحو القديم، إلا في عمان تمتزج كلها كفسيفساء بيد رومانية، وروح إسلامية، وفروسية أموية، وعدل عباسي، وفتحٍ يوسفي 1، وذوق تركي، ووشاح هاشمي ينطق برؤية نيرة للمستقبل القادم.

عمّان

وفي عمّان ينطق التطور مُحدِّثًا زائرها عن أحدث ما وصل إليه، ففيها يقطع تطور الطب قول كل لبيب؛ لما وصل إليه من مستوى يضاهي دول العالم المتقدمة فيه، فعاصمة تتوسطها الجامعة الأردنية، وتنتشر في أروقتها المستشفيات العصرية، لتحكي حكايةً مفادها أنّ مدينةً قلبُها صرح علمي، وأطرافها مراكز بحثية، ومبانٍ علاجية، هدفها صون حياة الإنسان لهي مثالٌ حي، ودرس لكل مُنظِرٍ في حقوق الإنسان، على أنّ عمان قامت وشُيدت على حب الحياة والعلم، ورفاهية الإنسان وتقدمه.

إنّ عمّان توسطت في موقعها قلب المملكة الهاشمية، التي هي امتداد مبارك للدولة الإسلامية التي أسسها سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- وجاء من بعده أحفاده؛ ليقيموا هذه الدولة التي هي دولة وسط في معاملتها وتسامحها، وكانت عمّان عاصمتها؛ لتكون عاصمة الوسطية والاعتدال، ولتكون منارةً وقبلةً للعالم، ومركزًا ينطلق منها دُعاة الإنسانية، وحفظ حقوق الإنسان، والحرية والتسامح والعدالة.

عمّان

وفي ذكرى تأسيس عمّان الحديثة، لابد أن نقول أن عمّان لا يحددها نطاق زمني، ولا مكاني، ولا يمكن حصرها بمائة عام فقط، فلعمري إنها لمدينة ممتدة في الزمن، كامتداد الماء على كوكب الأرض، وأنّ كل حضارة سامقة عرفتْ قيمة ذات الأوتاد، وجاء كل ذي عظمة قاصدًا أن يُخلد ذكراه بين جبالها، فهي الحاضنة لكل أرث، وذاكرة كل أمة أقامت بها وشربت من عينها.


1) نسبة إلى صلاح الدين يوسف بن أيوب.

بطاقات أمنية الالكترونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.