نظرية التأويل والتلقّي وأثرها في تطور الحركة النقدية

مؤيد الشرعة/ جامعة آل البيت - تعد نظرية التلقّي إحدى النظريات الحديثة، التي جاءت نتيجة تطور الحركة النقدية، فهي جاءت نتيجة تجاوز بعض النقاد للمرتكزات الأساسية في قراءة النصوص الأدبية وتحليلها، التي كان يرتكز عليها النقّاد، وهي النص الأدبي نفسه، أو الأديب وظروفه المحيطة، التي ساهمت في تشكيل وبناء العمل الأدبي.

نشأة نظرية التلقّي

ظهرت نظرية التأويل والتلقّي –كما يرى آيزر- نتيجة رد فعل على إغفال دور القارئ، وتحييده في قراءة النص الأدبي، فجاءت هذه النظرية لتحقق التوازن بين عناصر العملية الأدبية الإبداعية (العمل، الكاتب، المتلقي)، التي حدّدها أبرامز في دراسته عن الرومانسية بعنوان "المرآة والمصباح"[1].

نظرية التأويل والتلقّي وأثرها في تطور الحركة النقدية
أسس نظرية التلقّي

تقوم هذه النظرية على ثلاث دعامات أساسية، هي: أفق التوقع، ويقصد بها ما يتجلى لدى القارئ من أفكار استباقية يتوقع أن تحدث في السرد المقبل، أما الدعامة الثانية فهي المتلقي، وفي هذه النظرية لا نشمل كل المتلقّين للنص الأدبي، وإنما المقصود هو القارئ الناقد، الذي لديه الخبرة والدربة في قراءة النصوص الأدبية، ويستطيع تحليل النص الأدبي، وتأويل دلالاته بناءً على فهمه.

دور المتلقّي (القارئ) في العمل الأدبي

يعتبر المتلقّي عنصراً فاعلاً في العملية الأدبية، ويقوم بدوره في المساهمة بإنتاج النص، فهو الذي يُكتب النص لأجله، وهو الذي يتلقاه ويقرأه ويبعث فيه الحياة، فكان لابد من إشراكه في العملية الإبداعية، وذلك بإطلاق القارئ لمخيلته، وتقديم قراءات وتأويلات عن النص الأدبي[2]، ويشترط في هذه التأويلات أن تكون منطلقة من النص الأدبي نفسه، فهذا المنهج متأثر ببحوث علم النفس السلوكي.

ويرى ياوس أن نظرية التلقّي ترى إن المستهدف في العملية الإبداعية هو القارئ، وأن العمل الأدبي لا قيمة له إلا بقراءته، وأن النص الأدبي يسمح بتعدد القراءات والتأويل[3]، وهذا يؤدي إلى توسعة حدود القراءة النقدية؛ وذلك لاختلاف القراء وتوجهاتهم وآفاق توقعاتهم، مما يؤدي إلى تعدد القراءات والتأويلات للنص الواحد، بيد أن هذه القراءات والتأويلات لابد أن تكون منطلقة من النص نفسه، وألا تكون مسقطةً إسقاطًا عليه.

التاريخ وموقف نظرية التلقّي منه

من المهم أن نشير إلى أنّ هذه النظرية أهملت الإطار التاريخي للنص، فهي تقوم على فلسفة موت المؤلف في قراءة النص، وتركز في دراستها له على معطياته التي يقدمها، وقد أكد على ذلك الناقد هانز ياوس، إذ يرى أنّ نظرية التأويل والتلقي تستبعد السوسيولوجيا التاريخية، وتركز على موجودات النص، بمعنى أن النص هو من يوجه القارئ، ويجعله يملئ بياضاته بتأويلات تتفق مع محتواه، فمثلا عندما نجد رواية نهايتها مفتوحة، يبدأ القارئ بمحاولة إيجاد نهاية تلائم النص، وترضي مزاجه الأدبي.

نظرية التأويل والتلقّي وأثرها في تطور الحركة النقدية
النصوص الإبداعية، والتأويل

لو أخذنا نصوص القرآن الكريم في ضوء نظرية التأويل والتلقّي، لوجدناه من أكثر النصوص قابلية للتأويل، فكل قارئ ناقد يستطيع أن يؤول النص بصيغة مختلفة، وهذا ما يجعل من القرآن صالحًا لكل زمان ومكان.

وأمثل أيضًا على رواية جورج أورويل 1984، التي تعد من النصوص التي تُتلقى بأكثر من طريقة، فيستطيع قارئ أن يؤول أحداثها بأنها نتيجة عن حالة خوف من المنظومة الشيوعية، أو أنها قد تمثل سردًا عن جشع السلطة والنفس الإنسانية الراغبة بالتملك، أو من الممكن تأويلها بأنها تمثل صورة عن الأنظمة القمعية الحاكمة، فهذه التأويلات ناتجة عن تعدد القراء للنص، واختلاف زوايا نظرتهم له، لكنها لا ينبغي لها أن تثني عنق النص، وتؤول ما ليس فيه.

الخاتمة

إنّ نظرية التلقّي والتأويل ساهمت على نحو ما في تطوير العملية النقدية، وفي قراءة النصوص الإبداعية، وساهمت في الإفادة من قدرات القارئ وما يقدمه في بناء النص، بعد أن كان دوره مهمشًا في العملية الإبداعية، فلا ريب أن هذه النظرية قدّمت قراءات جديدة للنصوص الأدبية، ووسعت آفاق التأويل وأتاحت قراءة النص الأدبي أكثر من مرة.


[1] ينظر: القرعان، فاطمة: تلقي موسم الهجرة للشمال نقديًا، منشورات أمانة عمان، ط1، 2006، ص15-17.

[2] ينظر، موسى، بشرى صالح: نظرية التلقي اصول ونظريات، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، 2001، ص82.

[3] نفسه، ص83.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *