نشأة الرواية الحديثة

مؤيد الشرعة - جامعة آل البيتتُعد الرواية جنسًا أدبيًا حديثًا، على الرغم من إشارة عدد غير قليل من النقّاد على كونها امتدادًا لأجناس أدبية مماثلة لها، وذكروا أنه كان يُشار إليها قديمًا عند أرسطو بمصطلح الحكي الذي يقابل مصطلح الشعر، وهو مصطلح بعيد كل البعد عن مفهوم الرواية بحلّتها اليوم، فمفهوم الحكي كان يشير عند أرسطو على الكلام القصّ الشفوي، وضرورة وجود راوٍ (حاكٍ ) يروي الأحداث على المستمعين.

الرواية وأصلها، وعلاقتها بالملحمة

ولعلّ الرواية تتقاطع في بعض مفاهيمها مع الملحمة الشعرية[1]، وهذه الأخيرة هي عبارة عن قصائد شعرية مطوّلة تحكي قصّة بطل يتّصف ببعض صفات الآلهة (نصف إله)، وهي فنٌ نبيل صياغته رصينة تشبه المأساة في توجّهها لعلية القوم.

نشأة الرواية الحديثة

خصائص الملحمة

ونرى أنّ خصائص الملحمة من حيث أنها عبارة عن منظومة واحدة ولها شكل حكائي وحجم ممتد، وحرية في استعمال الزمان، وتعدد الأحداث وتوظيف الخيال، تشابه إلى حدٍّ ما الرواية الحديثة، فهما يتقاطعان بالإطالة، وتعدد الوقائع، ووجود أبطال وشخصيات متعددة، منها المساندة ومنها المضادة، لكنها لا يمكن أن تكون أصلاً للرواية الحديثة، فالملحمة تمتاز بالشكل الشعري، مثل الإلياذة والأوديسا، وأيضًا الحضور البلاغي المبالغ، وقيامها على الأسطورة والنسق العجائبي، وتأليه الشخصية أو جعلها نصف آلهة، وثبوت موضوع الرحلة والبطولة.

بداية الرواية ونهاية الملحمة

وقد امتدت الملحمة كَفَن إلى فرنسا، وظهرت ملاحم عدّة فيها مثل: (أسبرو مونت)، و(شاروانيم)، لكن الملحمة لم تعد تستطيع أن تلبي رغبات الأدباء، لا سيّما في عصر النهضة ومرحلة الثورة الفرنسية، وذلك بسبب المغالاة باستعمال تقنيات الملحمة، وقيامها على الخطاب العجائبي، بالإضافة إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وحملة نابليون الخاسرة على الشرق، ونضوجالحس القومي، وظهور البيان الشيوعي، فبدأت الملحمة تضمحل، ولا يُرى لها إلا بعض الومضات في القرن التاسع عشر عند زولا وبيغي[2].

 

التجديد عند الغرب في القرن التاسع عشر

انزلقت الملحمة نحو الرواية التي على الجماليات الغربية الحديثة، فالرواية فن حكائي مطوّل، والحكاية هي سلسلة من الأحداث الواقعية أو الخيالية، وتحتوي على قصة ليتم حكيها تتضمن شخوصًا تتحرك في فضاء زماني، وأيضًا لابد للحكاية أن تُعبّر بلغة سواء شفاهية أو كتابية ، ولتدخل في نطاق الأدب لابد لها أن تُكتب، وأن تكون بهدف حتى وإن كانت بحاجة لتأويل.

نشأة الرواية الحديثة

الرواية وخصائصها

والرواية كما يرى تيزفتان تودروف اتكأت على الحكاية البدائية، لكن الروائيين المحدّثين لم يسيروا على قوانينها، وقد مثّل تودروف على الحكاية البدائية بالأوديسا، التي تقوم في جمالياتها على عدّة قوانين، منها عدم الصدق وعدم الاستطراد.

ويرى تودروف ورولان بارت أن الرواية اليوم لها عدّة مفاهيم  تمتاز بها عن غيرها، وتصلح أن تكون خصائصًا تفرّقها عن غيرها من فنون الأدب، ومنها:

  • فعل القول: فالمؤلف الروائي ليس هو نفسه الراوي الموجود في القصّ، فالراوي شخصية متفرّدة، كما أنّ القارئ ليس هو المحكي له، فالمحكي له شخصية خياليّة في ذهن المؤلف.
  • طبيعة الحكي: فالتخييل أو القصة أو الخرافة –كما يسميها الشكلانيين الروس- تختلف عن الحكي.
  • الشخصيات ودورها: للشخصيات وظائف لا تنفك عن عملية الحكي، وهذه الشخصيات تندرج في ثلاث وحدات كل وحدة مكونة من نظيرين، وهي: (المخاطِب، المخاطَب)، (الموضوع، الذات)، (المعاضد، المعارض).
  • نسق الحكي: وتتجلى عند الشكلانيين الروس بكونها مكونة من واحد وثلاثين وحدة.
  • صيغ الحكاية: وهي الدور الذي يضطلع فيه الراوي، فهو إمّا أن يكون عليمًا فتكون صيغة الحكاية (تبئير داخلي)، أو راوٍ معايش للقص والحكاية، فتكون صيغة الحكاية (تبئير من مستوى الصفر)، وإما أن يكون راوٍ خارجي فتكون صيغة الحكاية (تبئير خارجي)[3].

الخاتمة

لعلّ هذه هي أهم الخصائص التي أُطِّرت للرواية التي نراها بصورتها اليوم، التي يعدّها بعض النقاد امتدادًا للملحمة، وبعضهم الآخر رد فعل عليها، ويذكر الناقد بيار غريمال أنّ الأوديسا تصوّر أولي للرواية المعاصرة.

المصادر:
[1] ينظر: مرتاض، عبد الملك: في نظرية الرواية، عالم المعرفة، بيروت، د.ط، 1998، ص12.
[2] ينظر: ستالوني، اين: الأجناس الأدبية، المنظمة العربي للترجمة، ترجمة: محمد الزكراوي، بيروت، ط1، 2014، ص97-102.
[3] نفسه، ص110.
بطاقات أمنية الالكترونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *