علم الاجتماع وعلاقته بالنقد الأدبي

مؤيد الشرعة / جامعة آل البيت - يعد علم الاجتماع من العلوم التي تختص بالمجتمعات الإنسانية، وهو علم له تأثير على العملية النقدية للنصوص الأدبية، من حيث أنّه يدفع الناقد إلى دراسة النص الأدبي من خارجه، ومعرفة الظروف المحيطة به، فالنص الأدبي ليس بمعزل عن الظروف الاجتماعية لمجتمع الأديب، فهذا الأخير ابن بيئته يتأثر ويؤثر بها على حد تعبير مؤسسة النقد الاجتماعي دي ستال.

نشأة علم الاجتماع وتأثيره في الأدب

ويعد تأثير علم الاجتماع على العملية الأدبية متأصلا من عصر أفلاطون، وذلك في نظرية المحاكاة، التي تعتبر النص الأدبي بأنه انعكاس عن الواقع، وتعبيرًا عنه، فالكوميديا والتراجيدية في المسرح والنصوص الشعرية وغيرها، تحاكي واقع المجتمع وتعبر عنها إما بمأساة أو ملهاة.

وفي العصر الحديث وما فيه من متغيرات اجتماعية، ألتفت النقاد إلى تأثير علم الاجتماع المباشر على النصوص الأدبية، فالشاعر والأديب لا يكتبان نصوصًا تخالف أحوال مجتمعهم، فلا يعبر الشاعر عن حياة الرغد والحرية إن كان مجتمعه في حالة حرب أو محتل، فلذلك فإن الدراسات النقدية توجهت لتناول أثر المجتمع على النص، وبناء عليه ظهر ما يعرف بالمنهج الاجتماعي أو النقد الاجتماعي، الذي شعاره الفن للمجتمع الذي يعاكس مقولة الفن للفن.

والاجتماعية تهمل الفرد، ولا تلتفت لمشكلاته وما يختلج في نفسه، فكل ما يعبره هو انعكاس عن مجتمعه، فهو جزء منه، ولا يمكن أ يتشكل الإبداع الأدبي بمعزل عن المجتمع، فالأدب ظاهر مجتمعية، والنص لا ينتج لأجل الأديب بل لمجتمعه.

علم الاجتماع وعلاقته بالنقد الأدبي
أثر علم الاجتماع على النقد الحديث

وعلم الاجتماع أثر بشكل مباشر على الدراسات النقدية، من حيث إنه يدفع الناقد لدراسة النص من خارجه، فيبدأ هذا الأخير عند تناوله لأي نص أدبي للتحليل بالبحث عن الظروف الاجتماعية، والسياقات التي كتب فيها النص، وتحليل واقع المجتمع في تلك الفترة، وهذا ما يجعل الأديب يلجأ للتاريخية في بحثه عن تاريخية المجتمع وظروفه، وبالتالي يصبح الناقد بحاجة للمنهج التاريخي والاجتماعي.

وعندما يتم تناول نص ما فإننا نجده إما نصًا حزينًا أو فرحًا أو متشائمًا، وهذا الأمر يدفع القارئ للتفكير عن سبب كتابة المؤلف نصه بمثل هذه العواطف، فلا شيء ينتج عن فراغ، فمثلاً لو تناولنا رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ، فنجدها تعالج قضايا مجتمعية مثل قضية الخيانة، والسرقة، والفقر، واعتماد الجريمة أسلوبًا للانتقام، وهذه المشكلات الاجتماعية لو نظرنا إلى حال المجتمع المصري في تلك الفترة لوجدناها موجودة ومنتشرة.

علم الاجتماع وعلاقته بالنقد الأدبي
الأدب العربي وتأثره بالمجتمع

وأيضًا أمثل بالأديب محمد الماغوط ومسرحيته: "ضيعة تشرين"، التي تعد انعكاسًا عن الواقع العربي لا سيما السوري بعد حرب حزيران 1967، وحال المواطن العربي المهزوم ومحاولاته في الهرب من واقعه المرير، ومن بطش السلطات التي تناست الهزيمة، وركزت على أساليب القمع، فقد حاول هذا الأديب ان يقدم صورة حية عن المجتمع السوري في تلك الفترة، وكيف أن اليأس سيطر على الشعب وقتل فكرة الانتصار على المحتل واستعادة الأرض.هذه المسرحية وغيرها من أعمال اجتماعية، نجدها اتخذت من المشكلات المجتمع مادةً لها، وتحاول في السرد معالجتها أو تقديم حلول أو توضيح مواطن الخلل، أو على الأقل الاكتفاء بعرض المشكلة.

وعلم الاجتماع بذلك يقدم للعملية النقدية ماهية الظروف التي أسست لإنشاء العمل الأدبي، وهذا الأمر يوجه قراءة القارئ للنص، ويحدده بأطر يبني عليها تأويلاته التي يستخلصها منها، لكن من الضروري الإشارة إلى أنّه يحيد ممكنات النص اللغوية، والفنية والدلالية وغيرها، ويقرأ النص من سياقه، فهذا الأمر يغفل الإبداع الداخلي للنص، ويجعله غير مهمًا.

ونهاية القول إن علم الاجتماع ساهم في تشكيل قراءات نقدية، وهي قراءات سياقية حيث إنه يدفع الناقد لجمع معطيات حول بيئة الأديب ومجتمعه، وبناءً عليها يبدأ الناقد بقراءة النص الأدبي محللًا إياه بما يتوافق مع تلك المعطيات.

الإعلانات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *