شعر المكتمات بين الفن والرمز والثورة

مؤيد الشرعة - جامعة آل البيت- يعد العصر الأموي عصرًا مهمًا من عصور الحضارة العربية، فقد شهد هذا العصر غير قليل من الفتن والأحداث السياسية، وبروز جماعات وفرق وملل ونحل مختلفة، مثل الزبيريين والخوارج والشيعة بتفرعاتها وغيرهم، مما أثّر على النسق الفكري والثقافي والاجتماعي والأدبي لاسيما الشعري بصورة مباشرة.

فقد كان لهذه الفرق المعارضة والمؤيدة للحكم الأموي أصوات تعبر عن أفكارها، وتكشف معتقداتها، وتهاجم غيرها، فالشعر ديوان العرب، وهو وسيلة التعبير الغالبة لديهم، فلجأوا إليه معبرين عن أفكارهم، وداعيين لها، ومادحين الرؤساء، وذامين الأعداء، لكن هذه الفرق المعارضة للحكم الأموي ما لبثت إلا أن هُزمت وتفككت، لما لها من قوة ونفوذ كبير، فقد حارب الخوارج الزبيريين، والأمويين هزموا الفرقتين معا، أما الشيعة فقد حاولوا العصيان غير مرّة كان أهمها حادثة خروج الإمام الحسين بن علي إلى كربلاء، واصطدامه مع الجيش الأموي ومقتله، وتلا هذه الحادثة ثورات كثيرة تم إخمادها بعنف.

شعر المكتمات بين الفن والرمز والثورة
الشعر وموقفه من الثورات

إنّ هذا الصراع السياسي المحتدم لم يكن بعيدًا في تأثيره على الأدب، فقد أثار الشعراء وأوقد قرائحهم، لكن بعد الهزائم المتوالية خفتت هذه الأصوات، ومال كثير من شعراء المذاهب الأخرى إلى تقمّص مذهب التقية، حتى أنّ بعضهم مدح خلفاء الأمويين ليأتمنوا على أنفسهم 1.

ونتيجة لهذا التخفّي بقي شعراءٌ يكتبون قصائدهم في مدح آل البيت وحبهم، وهجاء غيرهم والدعوة سرًا إلى مذهبهم، فانعكس مذهب التُقية على شعرهم، فكانوا ينظمون قصائد يتداولونها في الخفاء عرفت باسم المكتمات.

شعر المكتمات بين الفن والرمز والثورة
ظهور مصطلح المكتمات

وأوّل ما وردت هذه اللفظة عند الطبري في كتابه تاريخ الطبري، وذلك في صدد حديثه عن التوّابين، وواقعتهم مع الجيش الأموي ذاكرًا مرثية لأعشى همدان ترثي فرسان التوّابين وتذكّر صفاتهم 2.

وقد عرفت المكتمات بأنها: "ذلك الشعر الذي يكتم في الصدور في ذلك الزمان؛ لأن أصحابه كانوا يناهضون به دولة بني أمية، ويقفون إلى جانب الحركات المعارضة التي بدأت تنشط في الكوفة على نحو خاص" 3.

وجدير بالذكر أنّ هذه القصائد الشعرية مثّلت حالة جديدة في الشعر العربي، ومادة احتاجت إلى جمع من بطون الكتب العربية التراثية لاسيما كتاب الأغاني، وقد كان هنالك محاولة جادة قام بها الباحث كاظم الظواهري وعنوانها المكتمات: من صور الشعر السياسي في العصر الأموي، بالإضافة إلى كتاب القصائد المكتّمات في العصر الأُموي لصالح مخيمر.

شعر المكتمات بين الفن والرمز والثورة
أبرز شعراء المكتمات

ولعلّ  من ابرز قصائد المكتمات، ومرثية أعشى همدان (ت: 83ه) 4  التي رثى فيها أمير جماعة سليمان بن صرد وجماعته، أثر مقتلهم في معركة عين الوردة سنة 65ه، أمام جيش القائد الأموي عبيد الله بن زياد، ومطلعها:

ألَمَّ خَيالٌ مِنكِ يا أُمَّ غالِبِ
فَحُيّيتِ عَنّا مِن حَبيبٍ مُجانِبِ
وَما زِلتِ لي شَجواً وَما زِلتُ مُقصَداً
لِهَمٍّ عَراني مِن فِراقِكَ ناصِبِ

فشعر المكتمات جاء نتيجة ضغط نفسي على الشعراء، وتأصل حالة الرعب فيهم، فعمدوا لإخفاء قصائدهم، وترميزها، بل وإن نشروها كانوا يحتاطون في إخفاء أسمائهم، ولعل هذه الظاهرة تعد ومضة للمذهب الرمزي الذي ظهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ نتيجة حركات التحرر العالمية لا سيما في أوروبا.

شعر المكتمات بين الفن والرمز والثورة


1] ينظر: ضيف، شوقي: العصر الإسلامي، دار المعارف، القاهرة، ط(7)، د.ت، ص315-317.

[2] الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الطبري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ط(2)، 1967، ج(5)، ص608.

[3] همدان، الأعشى: الديوان، تحقيق: حسن عيسى أبو ياسين، دار العلوم، الرياض، ط(1)، 1983، ص18-19.

[4] هو عبد الرحمن بن الحارث بن نظام بن جشم، شاعر عاصر الدولة الأموية، وكان من خصومها قتل على يد الحجاج بن يوسف أثر ثورته مع عبد الرحمن بن الأشعث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *