الشعرية

مؤيد الشرعة - جامعة آل البيت- يعد مصطلح الشعرية من أكثر مصطلحات النقد الحديث غموضًا وإشكالية، إذ إنّه لا يزال يخضع للمناقشة والطرح، وتولّد تعريفات جديدة له باستمرار، التي تحاول تعريفه وتوضيح معالمه بشكل نهائي؛ ولعلّنا نرجع السبب في ذلك إلى تعدّد المدارس النقدية والأدبية، وكثرة الناقدين والمشتغلين على هذا المصطلح ودراسته من العصور القديمة إلى وقتنا الحاضر[1].

منظرو الشعرية الأوائل

ولا بد لنا في هذا الصدد أن نذكر ما قاله أحد أهم دارسي ومنظري الشعرية تزفيتان تودروف في كتابه "الشعرية"، أنّ ما بين الطبعة الأولى والثانية لكتابه سابق الذكر حصل غير قليل من  تطورات شتى في مجال الشعرية، وأنه سيضطر كل ست أو سبع سنوات إلى إعادة كتابة كتابه؛ استجابة للتطورات الحاصلة في الدراسات النقدية في مجال الشعرية[2].

تزفيتان تودروف

تزفيتان تودروف

أرسطو وتأصيله لمصطلح الشعرية

ونجد أن تودروف قد تناول مفهوم الشعرية عند أرسطو في كتابه، ونجده يشير إلى أن كتاب فن الشعر لأرسطو يعد من أهم ما ألف في نظرية الأدب، إذ إنّه في تناوله لقضية الشعرية يقتصر فقط على مفهوم المحاكاة، والتي تتجلى في سياقين فنيين هما الدراما والملحمة، وقد عُولج قسم واحد عن الدراما في كتابه وهو المأساة وأهمل الملهاة، أما الشعر عنده فلم يحظى بمكانة ذات أهمية عنده، بمعنى أن الشعر لابد أن يوظف فيه أسلوب المحاكاة كما هو الحال في الدراما والملحمة[3].

والمحاكاة عبارة عن مصطلح ميتافيزيقي أي المماثلة في الفعل والقول، وقد وجد أرسطو هذا المفهوم ليطبق على الملحمة والدراما، وعد القصيدة محاكاة إذا كانت كلا محسوسًا[4].

 وإننا نستشف من قول تودروف السابق أن المحاكاة هي الفيصل لدى أرسطو، وأن الأوزان والقوافي التي تميز الشعر عن النثر لم تكن ذات أهمية[5]، وفضلا عن ذلك إن المحاكاة لا تشمل جميع أنواع وضروب الشعر، فقد تم الاقتصار على الشعر الملحمي، والتراجيدي ، أما الشعر الغنائي قد استثني وذلك "لأن الشعر الغنائي تتحكم فيه العاطفة، وهو شعر ذاتي" [6]أي أنه لا يمكن تطبيق المحاكاة عليه.

كتاب شعرية دوستوفيسكي وأثره على تطوّر الشعرية

لقد حاول ميخائيل باختين دراسة الشعرية عند أحد كتاب الأدب الروسي وذلك في كتابه شعرية دوستوفيسكي، ففي هذا الكتاب كان هنالك غير قليل من آراء النقاد الكثر الذين حاولوا دراسة أدب هذا الأخير، وما طرح فيه من آراء ونظريات أدبية ونقدية، وأن يشرحها ويناقشها ويبينها للقارئ، وأن ينقدها ويرد بعضها أو يؤيد بعضها الآخر.

 ميخائيل باختين

ميخائيل باختين

وقد استعرض باختين الآراء وناقشها وحللها بأسلوب علمي، معتمدًا على المنطق والدليل، وهذا لا شك جعل كتابه هذا أنموذجا للدراسة النقدية والشعرية، إذ حاول أن يبين الشعرية ومواطنها في روايات دوستوفيسكي، إذ اعتنى بالشخصية والبطل إلى حد كبير، وعالج قضية الأصوات المتعددة التي ميزت أعمال دوستوفيسكي عن غيرها، وأشار إلى قدرته على دمج مواضيع مختلف في سياق الرواية وخاصة الأضداد والمواضيع الفلسفية.

وقد قام هذا الكتاب على دراسة الشعرية في خمس نواحٍ هي تعدد الأصوات في الرواية وقد حاول استعراض الفكرة القائلة إن تعددية أصوات الشخصيات هي الخاصية الأساسية لروايات دوستوفيسكي، فهذه الأصوات لها كينونتها، وفرادتها وقدرتها على عدم الامتزاج بغيرها، فكل صوت أو شخصية لها قيمتها الدلالية الكاملة، فدوستوفيسكي هو خالق الرواية المتعددة الأصوات، التي تمردت على قوانين النصوص الأدبية الأوربية القديمة.

الخاتمة

إن مصطلح الشعرية لم يعد يقتصر على الكلام الموزون المقفى، الذي نتعارف عليه بأنه شعر، بل تعدّى ذلك ليشمل النثر أيضا وليتمثل بأكبر صور النثر الفني، وهي الرواية المعاصرة التي مثلت النطاق الأوسع للشعرية وانتشارها وتوسعها وحضورها لا سيما في الأدب الروسي.


[1] ينظر: الفرعين، سليمان سالم: شعرية الرواية مدن الملح أنموذجا، رسالة دكتوراه، جامعة مؤتة، الأردن، 2010، ص5، و الخلايلة، محمد خليل: الشعرية تحديدات نظرية ونموذج تطبيقي، مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، جامعة عدن، اليمن، ع(19)، مج(9)، 2006، ص14.

[2] ينظر: تودروف، تزفيتان: الشعرية، ترجمة: شكري المبخوت، رجاء بن سلامة، دار توبقان، الدار البيضاء، ط(2)، 1990، ص9.

[3] ينظر: الشعرية، ص12، و شعرية الرواية مدن الملح أنموذجا، ص5.

[4] ينظر: فن الشعر، ص17-18.

[5] ينظر: الغنيمي ، هلال محمد: النقد الأدبي الحديث، دار الثقافة، بيروت، د.ط، 1973، ، ص50.

[6] الخطيب، عماد علي: في الأدب الحديث ونقد، دار المسيرة، عمان، ط(2)، 2011، ص238.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.