أبو نوّاس.. حضور المجون والتّوبة

مؤيد الشرعة - يعدّ العصر العبّاسي أحد أكثر عصور الأدب في تاريخ العرب خصوبةً وغزارةً، إذ إنّه شهد حضور غير قليل من الشّعراء والأدباء، الّذين أثروا الأدب العربي بنتاجهم الفنّي، فقد كان ذلك العصر ممتدّاً من النّاحية الزّمانية، فيما يضمّ من النّاحية المكانية رقعةً جغرافيةً واسعةً فتحت المجال لضمّ أكبر عدد ممكن من الأدباء والشّعراء، على اختلاف أصولهم وأمزجتهم. 

وقد شهد العصر العبّاسي ظهور عدد من الشّعراء، أبرزهم شاعر مثّل بحد ذاته مدرسةً شعريةً جدليّةً شغلت النقّاد والشّعراء ردحاً طويلاً من الزمن، وتركت الباب مفتوحاً للاّحقين بأن يدرسوا هذه الظاهرة الّتي عكست جانباً مهمّاً من النّسق الاجتماعي في العصر العباسي. 

وقد تمّثلت هذه الظاهرة بأبي نوّاس، الّذي يمثّل شخصيةً جدليةً، وذلك بتراوحه بين إعلان المعصية والتّوبة، وبين مهاجمة العرب وتقديم القصائد المدحيّة بالخلفاء، فكان أبو نوّاس صاحب نتاجٍ شعريٍ غزير، ظهر فيه التناقض، وقدّم أسلوباً جديداً، ومعاني مختلفة عن القدامى، وتجاوز قوانين عمود الشعر العربي.  

ظاهرة المجون والخلاعة

لابدّ من الحديث عن ظاهرة خطرة تجلّت عنده، وهي ظاهرة المجون والخلاعة والتغّزل بالغلمان، ولعلّ هذه الظّاهرة قد بدأت تتفتّق عنده بعد مصاحبته لوالبة بن الحباب المعروف بخلاعته وفسقه، لكنّ أبا نوّاس تفوّق على أستاذه بمراحل عدّة، فلم يكتفِ بوصف الغِلمة والتغزّل بشكلهم، بل نجده يطرب للحديث عن المثلية والّلواط، ويستعذب هذا الفعل وفي نظرته بل ويجيزه1، فنراه يقول: 

 تمتّع بالخمورِ وبالّلواط***ولا تخشَ المرورَ على الصّراط

 وخذها قهوةً من كفّ ظبي***رخيم الدّل ممشوقِ الشطاطِ 

فنراه هنا يصرّح بتمتّعه بهاتين الّلذتين المحرّمتين، بل نجده يدعو لهما جهاراً، ويسخر من العقيدة الإسلامية، وبالأخصّ قضية البعث والحساب، فهذه القضّية تجلّت في شعره إذ إنّه أنكر وجود حياة بعد الموت. 

ولعلّ ظاهرة التغّزل بالغلمان جاءت نتيجة تأثّر الشّاعر بالنّسق الثّقافي الفارسي، الّذي كان يجيز مثل هذه الأمور، بالإضافة إلى محاولته إظهار اعتراضه على مبادئ الدّين الإسلامي، والمجاهرة بالكبائر والمعاصي2. 

وأيضاً نتيجة فشله في إقامة علاقة غرامية، فهذه الجارية عنان، تصدّه عنها وتقابله بالشّتم والقذع، حتى أنّها عرّضت به وبأمه، فكان أبو نوّاس منبوذًا من الجنس الآخر، فرغب أن يجد ضالّته بالغلمان والمرد3. 

أبو نوّاس.. حضور المجون والتّوبة

حضور التّوبة عند أبي نوّاس

ولابدّ من الإشارة إلى أنّ أبا نوّاس كان على خلاعته ومجونه يظهر قصائد شعرية، يلعن فيها توبته واستغفاره، وأنّه يطلب التوبة والمغفرة من الله تعالى، فيرى نفسه بمنزلة المسلم العاصي وليس الملحد الزّنديق، فهو على الرّغم من تهجّمه على أركان الإسلام وإعلانه للمعصية والدّعوة لها يؤكّد أنّه لم ينقض ركن التّوحيد المتمثّل بالشّهادتين، حتى أنّه في آخر أيّامه يتوب إلى الله، ويدفع غير قليل من المقطوعات الشّعرية الّتي يظهر فيها ندمه وتوبته ورجاءه لقبول هذه التّوبة، فهو لا يريد أن يموت وهو خارج عن الملّة4. 

بالإضافة إلى أنّ أبا نوّاس على الرّغم من تهجّمه على بنية القصيدة العربية، والثّورة على الأطلال، إلا أنّه كان ينظّم قصائد على نمط القديم، لا سيّما في مدائحه للخلفاء، فمهما بلغ التّجديد ذروته إلا أنّ للقديم سلطته التي يستمدها من الخلافة العباسية، فلا بد من الإشارة إلى وجود رابط خفي بين الالتزام بالقديم، وبين مؤسّسة الخلافة، فهذه الأخيرة هي المعنية بالحفاظ على عروبة الدولة، والدفاع عن العرب والدين الإسلامي، بالإضافة إلى تنفيذ رؤية كبار العلماء، والنقاد الداعين إلى الالتزام بالنمط القديم في الشعر، بالإضافة إلى أنّ هذا الالتزام كان يضفي طابعاً رسميّاً في خطاب الخليفة، فهذا الأخير يمثّل فئة خاصة الخاصة، فلا يليق به أن يوجّه له قصيدة ذات مطلع خمري5. 

[1] ينظر، المرجع نفسه، ص73.
[1] ينظر، أبو نواس في تاريخه وشعره، ص35-37.
[1] ينظر: الشمري، حنان بنت مسعود: القيم الإسلامية في شعر أبي نواس، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، السعودية، 2013، ص65
أبو نوّاس.. حضور المجون والتّوبة

الخاتمة

إنّ شخصية أبي نوّاس شخصية جدلية اتصفت بالتضادّية، وقد أثّرت نشأة أبي نوّاس على مزاجه العقلي وبالتّالي على نتاجه الشّعري، وكانت الزندقة والشّعوبية عند أبي نوّاس ليست إلّا نتيجة تأثرّه بالمزاج الفارسي، وحبّه للمعاصي، وحريّ بنا أن نقول أنّ أبا نوّاس اتجّه إلى المجون والخلاعة في شعره وحياته نتيجة اتّصاله بوالبة بن الحباب، وقد تعدّى به الأمر إلى التغّزل بالغلمان نتيجة فشله في إقامة علاقة حب مع الجنس الآخر. 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *